موريتانيا تعزز موقعها كشريك استراتيجي في الأمن والتنمية/ المصطفى ولد أحمد معاوية

تشكل الزيارة التي يؤديها ـ حاليا ـ فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى باريز، محطة مفصلية في مسار العلاقات الموريتانية – الفرنسية، ليس فقط لما طبعها من حفاوة رسمية عكستها مراسم الاستقبال بقصر الإليزيه من طرف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بل أيضاً لارتباطها بسياق دولي دقيق، تتقاطع فيه التحديات الأمنية والاقتصادية، وتُعاد فيه صياغة موازين القوى والتحالفات.

في هذا السياق الدولي المتقلب، تبرز موريتانيا بوصفها فاعلاً إقليمياً موثوقاً، استطاع بفضل حكمة متبصرة و سياسة خارجية متزنة ومقاربة واقعية لقضايا الأمن والتنمية، أن يرسخ موقعه كشريك يحظى بالثقة والاعتبار.

وقد بدا من اللافت التناغمُ بين مستوى الاستقبال الرسمي الرفيع والحفاوة الشعبية الحاشدة  التي خصّت بها الجالية الموريتانية في أوروبا فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ليعكس تحسناً ملحوظاً في صورة البلاد خارجياً، ويؤكد تنامي حضورها الدبلوماسي وتأثيرها في دوائر القرار.

غير أن الأهمية الحقيقية لهذه الزيارة تتجلى في مضامينها الاستراتيجية، كما عكستها تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون خلال المؤتمر الصحفي المشترك، حيث أكد على المكانة المحورية التي باتت تحتلها موريتانيا في معادلة الأمن الإقليمي، خاصة في منطقة الساحل. فالإشادة بالدور الذي تضطلع به نواكشوط في مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار، ليست مجرد مجاملة دبلوماسية، بل تعبير عن قناعة متزايدة بفعالية النموذج الأمني الموريتاني، القائم على الاستباق، والتنسيق، والربط بين الأمن والتنمية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تفتح هذه الزيارة آفاقاً واعدة لتعزيز الشراكة الثنائية، في ظل ما تزخر به موريتانيا من إمكانات طبيعية، خاصة في مجال الغاز، وما تتيحه من فرص استثمارية جاذبة. وقد عكست الإشارات الصادرة عن الجانب الفرنسي استعداداً لمواكبة هذه الدينامية، من خلال دعم الاستثمارات، وتعزيز التعاون في مجالات البنى التحتية، ونقل الخبرات، بما يدعم مسار التنمية المستدامة في البلاد.

ولا تقل أهمية البعد المؤسسي والاقتصادي للزيارة، حيث شملت لقاءات رفيعة المستوى ومشاركة مرتقبة في منتدى الأعمال الفرنسي، بما يعكس توجهاً واضحاً نحو ترجمة التقارب السياسي إلى شراكات اقتصادية ملموسة، قادرة على إحداث أثر مباشر في الاقتصاد الوطني.

و مما يميز هذه الزيارة  الناجحة ـ أيضا ـ أنها تجاوزت الطابع البروتوكولي، لتؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات  الثنائية القائمة  على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، في ظل حرص موريتانيا على تنويع شركائها وتعزيز استقلالية قرارها. كما أنها تحمل في طياتها رسائل قوية تؤكد أن البلاد ماضية بثبات نحو ترسيخ مكانتها الإقليمية والدولية، مستفيدة من استقرارها الداخلي وثقة شركائها.

وفي المحصلة، تبدو هذه الزيارة، بما حملته من رمزية ومضامين، خطوة متقدمة في اتجاه ترسيخ شراكة استراتيجية متوازنة، من شأنها أن تعزز موقع موريتانيا كقطب استقرار في منطقة مضطربة، وأن تفتح أمامها آفاقاً أوسع لتحقيق تطلعاتها التنموية، إذا ما أُحسن استثمار مخرجاتها وترجمتها إلى برامج ومشاريع ملموسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى