تحليل:وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط؛ هدنة الضرورة أم بداية الاستقرار؟

في خضم التصعيد الأخير الذي شهدته منطقة الشرق الأوسط، عاد الحديث عن وقف إطلاق النار كخيار اضطراري أكثر منه تحوّلًا استراتيجيًا نحو السلام. فالاتفاقات التي تُعلن في مثل هذه السياقات غالبًا ما تعكس توازنات لحظية، لا حلولًا جذرية، وهو ما يجعل تقييم فرص صمودها مسألة معقدة تتجاوز النصوص الرسمية إلى واقع الميدان وحسابات القوى.

يرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط مايكل يونغ أن مثل هذه الهدن “ليست سوى أدوات لإعادة ترتيب الأوراق”، وهو توصيف ينسجم مع طبيعة الصراع القائم الذي لم تُحسم فيه القضايا الأساسية. فغياب الثقة بين الأطراف، وتعدد الفاعلين المباشرين وغير المباشرين، يجعل أي وقف لإطلاق النار عرضة للاهتزاز عند أول اختبار.

من جانبه، يؤكد أستاذ العلاقات الدولية فواز جرجس أن المشكلة لا تكمن في غياب الاتفاقات، بل في “الهوة العميقة في الرؤى والمصالح”، وهو ما يفسر هشاشة أي تهدئة لا تُبنى على تسوية سياسية شاملة. وفي السياق ذاته، يشير الباحث كريم سجادبور إلى أن الصراعات في المنطقة لم تعد ثنائية، بل باتت شبكة معقدة من النفوذ الإقليمي، ما يجعل احتواءها باتفاق جزئي أمرًا محدود الأثر.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال العوامل التي تدفع نحو تثبيت وقف إطلاق النار، وفي مقدمتها الضغط الدولي، خاصة في ظل حساسية الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، إضافة إلى إدراك الأطراف أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة سيكون مكلفًا للجميع. هنا يبرز مفهوم “توازن الردع” الذي أشار إليه الخبير العسكري أنتوني كوردسمان، حيث يمنع هذا التوازن الانفجار الكبير، لكنه لا يلغي احتمالات الاشتباك المحدود.

السؤال الأهم يظل: هل يمكن العودة إلى ما قبل الحرب؟
الجواب الأقرب إلى الواقعية هو النفي. فالصراعات الكبرى لا تنتهي بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بل بإنتاج واقع جديد. ويذهب الدبلوماسي الأمريكي السابق ريتشارد هاس إلى أن المنطقة تتجه نحو “نظام إقليمي مختلف، أقل استقرارًا وأكثر تعقيدًا”، ما يعني أن أي تهدئة حالية هي جزء من مرحلة انتقالية لا أكثر.

في المحصلة، يبدو وقف إطلاق النار الحالي أقرب إلى هدنة الضرورة منه إلى سلام مستدام. فهو يمنح الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه لا يقدّم ضمانات حقيقية لإنهاء الصراع. وبين استمرار التهدئة أو انهيارها، ستظل المنطقة رهينة لتوازن دقيق بين التصعيد والاحتواء، في انتظار تسوية أعمق لم تتبلور بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى